ابن الجوزي
240
زاد المسير في علم التفسير
وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ( 35 ) قوله تعالى : ( وما كان صلاتهم عند البيت ) سبب نزولها أنهم كانوا يطوفون بالبيت ويصفقون ويصفرون ويضعون خدودهم بالأرض ، فنزلت هذه الآية قاله ابن عمر فأما المكاء ، ففيه قولان : أحدهما : أنه الصفير ، قاله ابن عمر ، وابن عباس ، وابن جبير ، وقتادة ، وأبو عبيدة ، والزجاج وابن قتيبة . قال ابن فارس : يقال مكا الطائر مكاء : إذا صفر ، ويقال : مكيت يده مكي ، مقصور ، أي : غلظت وخشنت ، ويقال : تمكى : إذا توضأ . وأنشدوا : كالمتمكي بدم القتيل وسئل أبو سلمة بن عبد الرحمن عن المكاء ، فجمع كفيه ، وجعل يصفر فيهما . . والثاني : أنه إدخال أصابعهم في أفواههم يخلطون به وبالتصدية على محمد صلى الله عليه وسلم صلاته ، قاله مجاهد ، قال ابن الأنباري : أهل اللغة ينكرون أن يكون المكاء إدخال الأصابع في الأفواه ، وقالوا : لا يكون إلا الصفير . وفي التصدية قولان : أحدهما : أنها التصفيق ، قاله ابن عمر ، وابن عباس ، والحسن ، ومجاهد ، وقتادة ، والجمهور . قال ابن قتيبة : يقال صدى : إذا صفق بيديه . قال الراجز : ضنت بخد وجلت عن خد * وأنا من غرو الهوى أصدي الغرو : العجب ، يقال : لا غرو من كذا ، أي : لا عجب . والثاني : أن التصدية : صدهم الناس عن البيت الحرام ، قاله سعيد بن جبير : وقال ابن زيد : وهو صدهم عن سبيل الله ودينه ، وزعم مقاتل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى في المسجد الحرام ، قام رجلان من المشركين من بني عبد الدار عن يمينه فيصفران ، ورجلان عن يساره فيصفقان ، فتختلط على النبي صلى الله عليه وسلم صلاته وقراءته ، فقتلهم الله ببدر ، فذلك قوله تعالى : ( فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ) بتوحيد الله . فإن قيل : كيف سمى المكاء والتصدية صلاة ؟ فعنه : جوابان ذكرهما ابن الأنباري . أحدهما : أنهم جعلوا ذلك مكان الصلاة ، ومشهور في كلام العرب أن يقول الرجل : زرت عبد الله ، فجعل جفائي صلتي ، أي : أقام الجفاء مقام الصلة ، قال الشاعر :